أحمد بن علي القلقشندي
283
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وقول أبي الطيب المتنبّي : إذا شئت حفّت بي على كل سابح رجال كأنّ الموت في فمها شهد فلفظة الشهد ولفظة العسل كلاهما حسن مستعمل ، وقد جاءت لفظة الشهد في بيت أبي الطَّيّب أحسن من لفظة العسل في بيت الأعرج ، على أن لفظة العسل قد وردت ( 1 ) في القرآن دون لفظة الشهد فجاءت أحلى من الشهد في موضعها ؛ وكثيرا ما تجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وبلغاء الكتّاب ومصاقع الخطباء ، وتحتها دقائق ورموز ، إذا علمت وقيس عليها كان صاحب الكلام قد انتهى في النظم والنثر إلى الغاية القصوى في وضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها . قال : وأعجب من ذلك أنك ترى اللفظة الواحدة تروقك في كلام ، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها ؛ وقد جاءت لفظة في آي القرآن الكريم بهجة رائقة ، ثم جاءت تلك اللفظة بعينها في كلام آخر فجاءت ركيكة نابية عن الذوق ، بعيدة من الاستحسان ؛ فمن ذلك لفظة يؤذي فإنها وردت في قوله تعالى : * ( إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ والله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ) * ( 2 ) فجاءت في غاية الحسن ونهاية الطلاوة ، ووردت في قول أبي الطيب : تلذّ له المروءة وهي تؤذى ومن يعشق يلذّ له الغرام فجاءن رثّة مستهجنة ، وإن كان البيت من أبيات المعاني الشريفة ، وذلك لقوّة تركيبها في الآية وضعف تركيبها في بيت الشعر ؛ والسبب في ذلك أن لفظة تؤذي إنما تحسن في الكلام إذا كانت مندرجة مع ما يأتي بعدها ، متعلقة به كما في الآية الكريمة حيث قال : * ( إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ) * ( 3 ) وفي بيت المتنبي جاءت منقطعة ليس بعدها شيء تتعلق به حيث قال :
--> ( 1 ) وردت في سورة محمد آية 15 : وأنهار من عسل مصفّى . ( 2 ) سورة الأحزاب / 53 . ( 3 ) سورة الأحزاب / 53 .